لقمةُ الحلال.. وكنوزُ الصبر
ألقى المدير الجشع العقد أمام "يوسف" وهو يبتسم بخبث. نظر يوسف إلى الركام الهائل من المال، ثم نظر إلى صورة ابنته الصغيرة في محفظته. كان يوسف يمر بأزمة مالية خانقة، ديونه تتراكم، وإيجار منزله متأخر لشهور. للحظة، اهتز قلبه، لكنَّ صوتاً من أعماق روحه صرخ: "أطعمهم حلالاً يا يوسف، وإن متَّ جوعاً". دفع يوسف العقد بعيداً، وخرج من المكتب وهو يشعر بحريةٍ لم يذقها قط.
صراع الحاجة واليقين
مرت الأسابيع، وضاق الخناق على يوسف. طُرِد من شقته، وباع أثاثه، وانتقل للسكن في غرفة فوق سطح قديم. كان يرى نظرات اللوم في أعين أقاربه: "لماذا ترفض الفرص؟ كن واقعياً!". كان الصراع النفسي يمزقه؛ يرى ابنته تطلب قطعة حلوى بسيطة فلا يستطيع شراءها.
في ليلة ممطرة، وبينما كان يوسف يسير عائداً من عمله الشاق كحمال في السوق بضعف أجره القديم، شعر بضعف بشري مخيف. سقط تحت جدار المسجد، وبدأ يخاطب ربه: "يا رب.. لقد تركتُ الحرام لأجلك، وأنتَ تراني. لستُ أعترض، لكني ضعيف، وابنتي لا ذنب لها في فقري. يا رب.. أطعمنا من فضلك، ولا تفتنَّا في ديننا".
الافتقار والانكسار لله
سجد يوسف سجدةً كانت هي الملاذ الأخير. لم يعد يطلب مالاً بعينه، بل صار يطلب "الرضا":
"يا رب.. إن كان هذا الفقر هو ما يقربني إليك، فصبرني عليه. وإن كنتَ تمتحن يقيني، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين. أنا الفقيرُ الذي لا يملك إلا بابك، فلا تغلقه في وجهي"بكى يوسف بكاءً مريراً، بكاء من قطع كل حبال الرجاء في البشر، وأمسك بحبل الله وحده. وفي تلك اللحظة، شعر بسكينة عجيبة، كأنَّ يداً حانية تمسح على قلبه وتخبره: "إنَّ مع العسر يسراً".
الحوار والموقف المؤثر
المعجزة والفرج
بعد أيام، وبينما كان يوسف يعمل في السوق، جاءه رجل يرتدي ثياباً بسيطة، وسأله عن اسم والده. عندما أجابه يوسف، اغرورقت عينا الرجل بالدموع وقال:
"أخيراً وجدتك! والدي وصاني قبل وفاته أن أبحث عن ورثة شريكه.. هناك قطعة أرض قديمة أصبحت الآن في مركز المدينة، وحقك فيها يساوي ثروة طائلة!"
صعق يوسف، لم يصدق ما يسمع. سقط ساجداً في منتصف السوق والناس ينظرون إليه بذهول. لقد جاءه الرزق الحلال من حيث لا يحتسب، وبأكثر مما كان يحلم به في عقود الحرام. عاد يوسف لبيته بدرسٍ حفر في قلبه: "أنَّ الله يختبرك بما تحب، ليعطيك ما يحب".


إرسال تعليق